جيرار جهامي ، سميح دغيم

940

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

نرى ماركس حريصا على ألّا يقف الناس - والفلاسفة منهم بوجه خاص - موقف المتفرّج المتأمّل ، بل لا بدّ لهم أن يغيّروا العالم ، يقول « لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة ، مع أن المهم هو أن نغيّره » - فكيف أغيّره إذا لم يكن هنالك احتمال آخر ، وهو أن أتركه على حاله بغير تغيير ؟ مع أن هذا الفرض الثاني ممتنع إذا كان التاريخ محتوم الوسيلة محتوم الأهداف . ( زكي نجيب محمود ، حياتنا العقلية ، 221 ، 11 ) . حتميّة تاريخيّة * في التاريخ - ( الحتميّة في التاريخ ) - يرى ابن خلدون أن حياة الإنسان الفردية والاجتماعية أدوار متّصل بعضها ببعض ، وأن طبيعة العمران وأحوال الاجتماع الإنساني تخلق شبها كبيرا بين أدوار التاريخ : « فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء » . ثم إن البيئة المحيطة بالإنسان تفرض عليه نوعا من الاستمرار : فأما البيئة الجغرافية فتكسبه وراثة طبيعية وتقصر تطوّره ، إلى حدّ بعيد ، على المجرى الذي تخطّه عوامل الأرض والتربة والمناخ في بيئته المخصوصة . وأما البيئة البشرية فتكسبه وراثة اجتماعية تتألّف من العادات والتقاليد التي تتردّد في حياة الأفراد والجماعة حتى ترسخ في النفس وتنزل منزلة الطبيعة فيستمرّ بذلك سلوك أهل البيئة على منهاج مخصوص . ( عمر فروخ ، تعليل التاريخ ، 15 ، 15 ) . * تعليق * في التاريخ - تعني الحتمية هنا أن التاريخ يسير عبر قوانين ثابتة . موضوع التاريخ ثابت ، قوانين تطوّره ثابتة ، قواعد كتابته يتحكّم بها مسار محدّد إلى حدّ ما . هذه النظرة إلى الحوادث التاريخية بدأت مع ابن خلدون ، والذي أصبح التاريخ معه يرتكز إلى أصول وقواعد : إن من حيث الموضوع ، أو من حيث المنهج . فإذا تناولنا موضوع التاريخ وهو علم العمران ، وجدنا أن قواعد كتابة التاريخ هي نفسها قواعد علم العمران في حالتيه الدينامية والستاتيكية . الحالة الدينامية تكمن في كيفية تطوّر العمران البشري وانتقاله من حال « بداوة » إلى حال « حضارة » ، وفقا لقوانين التماثل والتناقض والسببيّة . هذا التطوّر يدرس من كل جوانبه الاجتماعية : ( مجتمع قبلي ) في البداوة ، و ( مجتمع حضري ) في الحضارة . وأيضا من كل جوانبه الاقتصادية : من « ضرورات المعاش في البداوة » إلى « كماليات المعاش في الحضارة » . ومن الجوانب السياسية التي يتنقّل فيها العمران من نظام الرئاسة في البداوة إلى نظام الملك في الدولة الحضرية . أمّا الحالة الستاتيكية فهي التي تنظر في العوامل المؤثّرة في تكوّن العمران وتنوّعه . من هذه العوامل نذكر الجغرافيا والمناخ وبعض المسائل الاجتماعية والتاريخية . ولذلك فإنّ قيام نحل المعاش وارتباطها بمعطيات ثابتة يعودان إلى عوامل طبيعية . فوجوه المعاش أمور حتمية تتبع لما يتّسع له